واحدة من أقدم أنواع القصص المحكية، والتي تعادل ربّما عمر البشرية قدمًا، هي حبكة "شخص في ورطة" وهذا الشخص يشبهني ويشبهك، في عاديته وطبيعته، يواجه ظروفًا غير اعتيادية -غالبًا عدو شرّير جدًا- ويحاول النجاة إمّا بنفسه، أو بحبيبته، أو بالبشرية جمعاء. 

هل تتذكر آخر فيلم شاهدته من هذا النوع؟ كنت تعرف في داخلك أن البطل الطيب سينتصر، كنت تعرف أن سندريلا الفقيرة التي تعيش شبه إقامة جبرية ستتزوج الأمير، كيرت راسل المراهق سيهزم الإرهابيين في Die Hard، جون سنو اللقيط بجيشه من المنفيين البالغ عددهم 150 شخص سيُلقن آل بولتون ومانس رايدر وملك الليل دروسًا لن ينسوها على التوالي.


تخيّل لو حدث العكس في كل تلك القصص؟ 

ستشعر وكأن انسجام وتناغم الكون حولك اهتز، لأن من البداهة "حسب تصويرك" انتصار الخير دائمًا.

بحسب قابرييل غيليتش مؤلف Best of humanity، فإن سر ولعنا بالانتصار العظيم للشخصيات الطيبة هو أننا نملك قدرًا عظيمًا من الإيمان تجاه البشرية داخلنا، كما أن وجود نوع من المعاناة المشوبة بالضعف وقلة الحيلة "الأندردوقية تعريبًا" تسيطر على مراكز التعاطف تمامًا.. المستضعف دائمًا خيِّر. 

1


وأن مثل تلك القصص وإن كانت scripted تعطي تذكيرًا مُطمئن أن هناك خير، وأنك لست مغفل، وأن سيمفونية هذا الكون العظيم تُعزف على وتر الفطرة الطيبة..

لكن بظنّي، أن هناك دافع داخلي إنساني -يشبه صوت الضمير الذي تكلم عنه كانط- يدفعه نحو فعل الخير، وتوقعه من الآخرين، ورفضه واستهجان كل ما يصيب الطيبين وأن ترفع عنهم المعاناة ولو قليلًا.

الإنسان ليس خيِّر لأنه فرد من جماعة، وليست أخلاقًا تطورية طورها مع تطور المجتمعات، لا، الإنسان خيِّر لأنه كذلك، خُلق ببوصلة تشير بوضوح رغمًا عن كل المذاهب البراغماتية والنفعية والميكيافيلية.


ماذا بعد هزيمة الشرير؟ لا نريد للبطل أن يحتفل كثيرًا، ولا أن يتغنى ويرقص.. على ما يبدو أن الثقة العالية والفرح المبالغ به طبع شرير، أو أن التشفّي وقت الانتصار ليس من أخلاق الفرسان، لأن الفرسان طيبين( هل هم كذلك فعلًا؟) ولأن الشر يفرح بألم الآخرين، لست متأكد، ولا أعلم صراحة.. النفس البشرية معقدة جدًا. 

2


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طربان بعض أيامي، وأيام محزون.

ليلة القبض على الذوق الرفيع.

ما الفرق بين ابن الرومي، والطيور الإستوائية؟