المشاركات

ليلة القبض على الذوق الرفيع.

صورة
هذه السطور هي تطوير واسترسال لمقالة قديمة تناقش نفس الفكرة، عن المتع السامية والمتع البسيطة، لكن الجديد هو أن هذه المقالة ستكون مثل البيان الشيوعي لماركس وانجلز، ومثل "المانفستو" الذي كتبه ثيودور كازينسكي، ستكون أشبه بإعلان -سلمي وعلى استحياء- للثورة على الذوق الرفيع، على الحس الفني العالي، وعلى المتع بالغة الصيت، وإن فشلت ثورتنا.. فسوف نكسب شرف طرح الأسئلة! الخطيئتين: الملل وسوء الفهم:  لابد وأن حدث في يوم ما أن تسمرت أمام لوحة ذات صيت رسمها فنان شهير، تتسائل في قرارة نفسك وخلف تعابير وجهك التي تمثل فيها أنك منبهر بما ترى، تتسائل عن معنى الرسمة وغايتها، وان حدث أن فهمتها وكان لك رصيد ثقافي وسعة فهم، فلابد أن تسأل نفسك: هل استمتعت؟ هل من المفترض أن أستمتع بهذا العمل؟ وماذا يعني أن تفهم، لكن لا متعة ولا هم يحزنون؟  وان كنت تعيش في مدينة ليس للفن حضور فيها، فلابد أن مرت عليك أغاني للست، أو لطلال مداح أو عبدالحليم، وغيرهم من جبابرة الشجن العربي، لكنّك أيضًا -والمُلام هنا نفسك الشريرة- قد مللت من أغانيهم، وطورت حسًّا لأغاني تصنف من الفن الهابط، الفن الذي قد دمر الأغنية العربية وج...

العالم يتحدث اللغة، في الكاريبي يطيرون بها.

صورة
شاهدت قبل فترة وثائقي يعرض لغات مختلفة من منطقة جزر الكاريبي، المشهورة بسواحلها الخلّابة وطبيعتها الإستوائية هناك على حدود التقاء المحيط الآطلسي بخليج المكسيك، في الوثائقي كان الأشخاص عديدون، يتحدثون لغات مثل الجامايكية والهاييتية والكوبية، وكانوا يتحدثونها بسهولة وكأن اللغة لغة لا فقارية، مرنة ومراوغة وخالية من حروف العلل والتوقفات وحتى علامات الترقيم، ومخارج الحروف تشعرك أن الكلمات تسبح خارجها بأقصى سرعة، كأن أهل الكاريبي لا يتحدثون اللغة، بل يطيرون بها!  هل تختلف اللغات فعلًا في نطقها؟ هل بعضها بطيء وصعب يشبه مسير رجُلٍ يتعثر؟ وبعضها الآخر يشبه طيران ايكاروس الإغريقي في كبد السماء؟ أهل الكاريبي لا يطيرون: اللغات السواحلية مثل لغات أهل الكاريبي ليس لها أجنحة، لا تحلّق بهم للأسف ولا تركض بهم ولا هم يحزنون، لكنها في تصنيف اللغات تعتبر لغات نغمية Tonal Languages وهي اللغات التي تعتمد على التعابير الصوتية في إيصال المعاني، وعلى المعاني الصوتية أكثر من اللفظية لإيصال المشاعر والأفكار دون الإعتماد على معاني الكلمات نفسها، فتكثر فيها تعابير مثل الدهشة وكتم الأنفاس و إنشراحة الصدر مع نفخ...

عن الذي هُناك في الأعالي.

صورة
قبل أن أسترسل في سطور هذه التدوينة، أوّد أن أشارككم وجهة نظر شخصية ليست بالضرورة صحيحة لكنها تحمل أوجهًا من المنطق، في إعتقادي البسيط .. لا توجد فكرة أصيلة على وجه الأرض، ببساطة . كل الأفكار التي نصفها بالأصالة، بالإبداع، بالتفرّد والحداثة إنّما هي أفكار بُنيت على أنقاض أفكار سبقتها، واعتمدت في عظمتها وحداثتها على هياكل لأفكار أبسط وأقدم .. البشر كائنات محاكية emulators تقلد وتتماهى مع أقرانها وما حولها، بهكذا خاصية تحدثنا اللغة، تعلمنا المشي، وأنتجنا الأفكار!  فلولا عالم المثل لدى أفلاطون لما استوعبنا الفلسفة الكمومية الحديثة، ولولا رسائل غفران المعرّي لما كتب دانتي كوميديته الإلهية التي نعرف، واضطر جيمس وات أن يطلع على مخطوطات قديمة لآلات تعمل بطاقة البخار ليخترع واحدًا من أعظم الإختراعات في تاريخ الحضارة، ولم يفكر داروين في رحلته في جزر الجالاباجوس أن المخلوقات جميعها تناسلت من سلف مشترك وتمايزت في أشكالها بفضل قوانين البقاء، بل سبقه جده ايراسموس داروين وسبقهم قبلهم إمباذوقليس اليوناني.  معرفتنا تراكمية، فكرة فوق فكرة ومعرفةً تضاف لمعرفة، حتى نصل للفكرة التي أراها أول وأخر ...

خطيئة الأدرينالين .

صورة
يتسمر أمام شاشة السينما أو شاشة التلفاز لساعتين ونصف، ينتظر مشهدًا مفزعًا يفجر صرخاته ويقشعر جسده كاملًا، ورغم الشعور العارم بعدم الأريحية والخوف والتوتر والقلق، الّا انه ما إن تمر موجة الخوف حتى ينتفض خياله راغبًا في المزيد .. في مشهد عجيب يطرح تساؤلات عدة:  هل هذه حمّى الأدرينالين؟ وهل هو مظهر من مظاهر إدمانه؟ أم أنّها فكرة مازوخية دفينة تعكس رغبة الإنسان في تعذيب نفسه؟  وكيف يمكن لنا أن نفهم كيمياء أفلام الرعب، كيف أسس الإنسان لصناعة ضخمة من خلف كل مظاهر الرعب من أدب وروايات وأفلام، واحتفالات، وأزياء وأقنعة؟  المشاهدة من بعيد: تجربة بلا عواقب:  كيمياء أفلام الرعب مميزة فعلًا، رغم أنها تعطينا مشاعر مزعجة وغير مريحة تقريبًا طوال مدة الفيلم، الّا أننا نفضلها دائمًا ولسبب جوهري بسيط، لأنها تعطينا تجربة مخيفة ومرعبة بكل تأثيراتها البصرية والسمعية بلا عواقب ومن غير أذى وضرر يلحق بنا، أو ثمن ندفعه، وبدون أن نتأذى نفسيًا في الغالب -خصوصًا للبالغين- لعلمنا بحدود التجربة . في فيلم The Conjuring مثال بديع، تنزل الأم التي تسكن مع بناتها الخمس في بيت قديم في طرف المدينة انتقلو...

كيف ساعدنا حاتم الطائي أن نفهم كارل يونغ؟

صورة
القصص والملاحم الأسطورية التي نحكيها لبعضنا جيل تلوَ جيل، في أعماقها هي مجرد انعكاس لما في دواخل لاشعورنا، تصوير وتجسيد لخيالاتنا وأحلامنا ورغباتنا وأحيان حتى مخاوفنا، الفرق أننا نقوم بترميزها، وتقديمها بشكل مبطّن غير مباشر . انعكاس مباشر لرغبة مدفونة في العقل الباطن أو مخاوف اعتقدنا أن العقل تجاوزها، لكنها ظلت محفوظة هناك تنتظر ثغرة تنفذ منها لبقعة الضوء، للوعي، لمنطقة التفكير الواعي وهناك تتحول بدورها لشكل رمزي مبهم، لأنها حُفظت بهذا الشكل . خذ مثالًا على ذلك من الفلكلور الفارسي القديم، القديم جدًا، هناك قصة تسمى "سر قصر العدم" وتحكي عن مغامرة للأمير النبيل حاتم الطائي -ولا أعرف كيف وصل حاتم الطائي هناك- بعدما تلقى أوامر من ملكه أن يذهب للقصر الغامض ويكشف أسراره وخباياه  .. يذهب حاتم رغم سماعه بالمصير المروع لكل من سبقه وحاول دخول القصر، وبعد وصوله يصادف رجلًا يحمل مرآة يستعملها كدليل، ما ان يدخل حاتم مع الرجل والمرآة حتى يُغمر المكان فجأة بالمياة وسط دوي الرعد وتلبد الغيوم ويختفي الدليل مع مرآته، ويسود الظلام المرّوع . وبعد صراع طويل ينجو حاتم بعد ترتيله للصلوات وبعد أن لم...

يبكي بسام كوسا، ويضحك آبيقور .

صورة
في الجزء الأول من الدراما السورية الشهيرة باب الحارة، وبعد أن سطى على بيت أبو ابراهيم وسرق ذهبه، اعترف الإيدعشري -بسام كوسا- بجريمته لزوجته التي تفاجئت، ولكن هربًا من تأنيب الضمير صرخ في وجهها الباكي:  "كلنا حرامية، الى متى بنشحذ" ولكن بلهجة سورية يصعب نقلها للتدوينة، ما فعله الإيدعشري كان محاولة لتبرير ما فعل، ولتبرير وشرعنة جريمته، على الأقل هذا ما فهمناه من السيناريو، لكن ماذا خلف ذلك؟  هل هذا يعني أن حس العدالة عند البريء والمجرم على حد سواء؟ وأن المعيار الأخلاقي دومًا ثابت؟ حتى لدى أعتى المجرمين والمعتدين؟ هل وهم يقترفون أفعالهم يعلمون أنهم تجاوزوا حدًا انسانيًا معيّنًا لا نراه لكنّه يعيش داخلنا، ولا نلمسه لكنّنا نشعر به ونسميه الضمير؟ وماذا عن موقف الشر من هذا كله؟ من أين يأتي؟ هذه تساؤلات سأستعين بإجابتي عليها ببسام كوسا، وآفلاطون، وآرسطو، ودوكنز وغيرهم . قبل كل شيء : من أين يأتي معيار الخير والشر : محاولة الإيدعشري تبرير فعله وجعله تصرفًا قانونيًا -رغم عدم الحاجة لذلك فهو لا يمتثل أمام محكمة وقضاة- هو دليل على أن المجرم عديم الضمير يمتلك حدًّا أدنى انسانيًا الفطرة الأ...

تعيسًا مع شكسبير، ولا سعيدًا مع الحمقى .

صورة
أتذكر موقفًا لي وأنا طفل بدأ لتوه يختبر فضيلة الفضول، أو سمها خطيئة ان شئت، كيف اني كنت ابحث في محرك بحث جوجل عن (أكبر الأشياء، أشهر الأماكن، أعظم الأعمال والفنون) .. وأنبهر بنتائج البحث وبما توصل اليه مبدعوا العالم ومخترعيه، كيف شيدنا عجائب العالم السبع القديمة والجديدة، كيف ابدع الفراعنة في فن العمارة، والبابليين في فن الحضارة، والعرب في لغتهم، وكيف طور الغرب منهجًا علميًا تجريبيًا ثم صعدوا على متنه، كان الإرث البشري بإختصار لوحة مبهرة متكاملة . لكن شيئًا ما كان ناقصًا في مشهد الإنبهار الخاص بي، أتذكر لما سمعت عن شكسبير وعن ابداعاته، وبدأت أقرأ له، وكيف أن تاجر البندقية كانت مسرحية مملة عن عقد شكسبير تجاه اليهود، أو أن هاملت كانت تراجيديا بائسة عن مشاكل عائلية .. نصوص شكسبير كانت مثل الطوفان الذي غمر شوارع الأدب العالمي، لكن هذا الطوفان تحول لجدول صغير امام قدمي، لم ألمس الإبداع الذين يقولون عنه ولم أرى عملًا يستفزني شاعريًا حتى، ويمكن أن أضرب نفس المثال وأعيد ما قلت عن شعوري مع لوحات دافينشي وتحديدًا الموناليزا، لأنني لم افهم لماذا يقف الناس في طوابير لرؤية زوجة رجل أرستقراطي جا...